أنشئ حسابا جديدا
اطلب كلمة مرور جديدة

كيف يعالج الحب السرطان (2)

مقتطفات من كتاب : الحب والطب ومعجزات الشفاء .
تأليف: بيرني سيجل.
ترجمة : عزت عبد الرحمن شعلان
الناشر : دار الشروق.
أصيب رايت بسرطان ليمفاوي متقدم جداً ، وتناثرت أورام من حجم البرتقالة على رقبته وتحت إبطيه ، وتضخم كبده وطحاله ، وكانت القناة الليمفاوية الصدرية متورمة مسدودة، ولابد من تصفية لتر أو لترين من سائل لبني من صدره يومياً ، وكان لابد له من الأكسجين للتنفس ، وكان دواؤه الوحيد مهدئاً يساعده في طريق الموت.
غير أنه كان متعلقاً بالأمل ، وسمع بدواء جديد يسمى كريبوزين لا يزال تحت التقييم ، فتوسل إلى أطبائه أن يختاروه ضمن الفئة التي سيجربون عليها الدواء الجديد. ونظراً لإلحاحه الشديد أعطوه جرعةً يوم الجمعة ظناً أنه سيموت يوم الاثنين .. ليتفرغوا لغيره ممن لديهم فرص أفضل للحياة..
لكن رايت أخلف ظنونهم .. وذابت كتل الأورام إلى النصف ، وبدأ يتجول في أنحاء العنبر سعيداً .
لم يكن لدى الأطباء تفسير لهذا التحسن السريع ، ولكنهم أعطوه الحقن ثلاث مرات أسبوعياً ، وخلال عشرة أيام كانت كن علامات المرض قد اختفت ، وأقلع رايت بطائرته الخاصة على ارتفاع 12000 قدم دون أي ضيق.
بعد شهرين ظهرت تقارير متضاربة عن مدى فائدة العقار الذي عولج به رايت ، مما أزعجه إزعاجاً بالغاً ، وكان منطقياً في تفكيره فبدأ يفقد إيمانه في الدواء ، ثم انتكس بعد شهرين ، وعاد إلى حالته الأصلية ، وأصبح مكتئباً بائساً جداً.
حاول طبيبه فهم سبب شفائه السريع ، ثم انتكاسته الحادة ، فأخبر رايت أن دواء الكريبوزين مفيد جداً ، ولكن الشحنات الأولى منه فسدت بسرعة في القوارير ، وهناك إنتاج جديد أنقى كثيراً ، وفيه قوة مضاعفة ، وسيصل غداً.
عاد رايت إلى تفاؤله الشديد ، حين تأخر وصول الدواء يومين كان توقعه للشفاء قد بلغ مداه ، وحين وصل الدواء ، وحقنه به طبيبه في تهلل بالغ وجو احتفالي كانت النتيجة باهرة ، فقد ذابت كتل الأورام، واختفى السائل من الصدر ، وصار قادراً على المشي ، بل وعاد إلى الطيران مرة أخرى.
الغريب أن هذا الدواء السحري الذي حقن به رايت لم يكن إلا جرعات من الماء العذب !!
ظل رايت دون أعراض لمدة شهرين .. ولكن التقرير الأخير للجمعية الطبية الأمريكية الذي نشر في الصحف قال : "إن الاختبارات في أنحاء البلاد أظهرت أن دواء الكريبيوزين عديم الجدوى في علاج السرطان" . وفي غضون أيام تدهورت صحة رايت ، وأدخل المستشفى ، ومات في أقل من يومين.
..................
حقيقة أن ربع إلى ثلث المرضى يتحسنون لمجرد اعتقادهم بأن الدواء نافع حتى لو لم يكن فيه أي عنصر فعال أصبحت الآن مقبولة وسط غالب الأطباء .
.................
يقول د/ هوار برودي : إن الاستجابة للدواء الوهمي تحدث حين تتوفر ثلاثة عوامل : أن يتغير معنى التجربة المرضية لدى المريض بطريقة إيجابية ، وأن تساعد المريض جماعةٌ ترعاه ، وأن يزيد إحساسه بالسيطرة على المرض.
................
يعتمد الشفاء بالإيمان على : اعتقاد المريض في قوة عليا ، وقدرة المعالج على العمل كطريق موصل إليها.
.................
أشاهد كثيراً من المرضى وهم على عتبة الموت ما زال يساورهم القلق على فواتير الكهرباء وتأخر الأبناء كثيراً خارج البيت . وحين أقول لهم : "دعوكم من كل ذلك ، وتمتعوا بيوم لطيف ، فقد يكون آخر يوم لكم على الأرض " . أجدهم في الصباح التالي أحسن حالاً وهم يتناولون إفطاراً كبيراً . وعندما أسأل عما حدث يقولون : " لقد عملنا بنصيحتك " .
................
العلم يعلمنا أننا يجب أن نرى حتى نصدق . ولكن علينا أيضاً أن نصدق حتى نرى . وينبغي علينا أن نتقبل الاحتمالات التي لم يفهمها العلم بعد ، وإلا أضعناها . ومن السخف ألا نستخدم العلاجات المفيدة لمجرد أننا لم نفهمها بعد.
.................
يعتمد تأثير الدواء الوهمي على ثقة المريض في الطبيب . وقد أصبحت مقتنعاً بأن هذه العلاقة أهم على المدى الطويل من أي دواء أو إجراء. وقد وجد جيروم فرانك الطبيب النفسي بجامعة جونز هوبكنز دليلاً على هذا الاعتقاد في دراسة لثمانية وتسعين مريضاً أجريت لهم جراحات لانفصال الشبكية . وكان فرانك يقيم مدى استقلال الأشخاص وتفاؤلهم وثقتهم في أطبائهم قبل الجراحات ، فوجد أن أولئك الذين لدهم مستوى مرتفع من الثقة شُفُوا أسرع من الآخرين.
وعلى الطبيب والمريض أن يتفهم كل منهما معتقدات الآخر من أجل خلق علاقة من الثقة .
.................
حين تنفد جعبة الأطباء من العلاجات فإن من المحتمل أن ينسحبوا . غير أن عليهم أن يدركوا أن الافتقار إلى الإيمان بقدرة المريض على الشفاء يمكن أن يحدَّ من هذه القدرة إلى حد كبير . ولا ينبغي أبداً أن نقول : " ليس عندي ما أستطيع عمله لك أكثر من ذلك " . إن هناك دائماً شيئاً يمكن أن نفعله ، حتى لو كان مجرد أن نجلس ونتحدث ونساعد المريض على الأمل والدعاء .
................
حدد الطبيب لمريضته ستيفاني ما تبقى من حياتها - تبعاً للإحصاءات - فسألته عما يمكن أن تعمله ، فأجابها : " كل ما لديك هو الأمل والصلاة " . فسألت :" كيف آمل وأصلي؟ " فأجاب : " لا أدري ، ليس هذا تخصصي " . تعلمت ستيفاني كيف تأمل وتصلي ، وغيرت مجرى مرضها بما يجاوز التوقعات ، وكتب طبيبها مذكرات عن نجاحها. وكتبت هي أن هذا الطبيب في ذكره للأمل والصلاة كان في الحقيقة يصف الدواء الأوحد الذي سيشفيني ، حتى لو لم يكن يعرفه أبداً" .
................
إن التكهن المعتاد لدى الطبيب بما بقي للمريض من عمر خطأ فظيع . فهو نبوءة تحقق نفسها .
..............
غالباً ما يغضب المريض غير العادي عندما يعلن الطبيب قراره التعسفي عن موته .
لقد رفضت لندا - وهي ممرضة أعرفها - العلاج الكيماوي ، وقال لها طبيبها " سوف تأسفين ، وترجعين زاحفة هنا في مدى ستة شهور" . وظلت تقول لنفسها : يا له من سافل ! لن أموت لمجرد أن أثبت خطأه" . وقد عاشت أكثر من خمس سنين بدون علاجه ، ثم قررت عندئذ أن تستخدمه لتعيش فترة أطول.
.................
أصيبت لويز وهي في سن المراهقة بسرطان المبيض مع انتشار سرطاني في الرئتين والبطن . وأعطاها طبيبها مهلة تتراوح بين ستة شهور وسنة تعيشها مع العلاج الكيماوي ، فأخبرته أن الله وحده يعلم متى يحين أجلها . وبدأت تحمل مسئولية حياتها بنفسها . وتركت البيت بسبب ظروف المعيشة المتوترة هناك ، واستأجرت شقة خاصة ، وأنفقت آخر عشرة دولارات معها لتنشر إعلاناً صحفياً للبحث عن آخرين من مرضى السرطان يحتاجون إلى مساعدتها . وكان طبيبها قد امتنع عن تقديم أي علاج آخر لها لأن المرض قد استفحل . ولكن أورامها اختفت بعد ستة شهور ، بعد أن اتخذت الطريق الذي اختارته ، حتى أن طبيبها لم يستطع ان يذكر لها هذا بصوت عالٍ ، وبدلاً من ذلك أعطاها وصفة طبية - والدموع تترقرق من عينيه - كتب فيها: " لقد اختفى سرطانك" ........
لقد اختارت لويز الحب والعطاء ، وقامت بالتغييرات الروحية والنفسية التي يفعلها دائماً الأشخاص الذين جربوا حالات الشفاء الذاتي.
...............

كثيراً ما أتلقى خطابات من الأطباء عن مرضى حوَّلتهم إليهم ، وحين يقرر الطبيب أنه حدث تحسن يثير الدهشة في حالة مريض ، فهو لا يشير أبداً إلى معتقدات ذلك الشخص وأسلوب حياته ، ولكني حين أتقصى الأمر أجد أن المريض قد أجرى دائماً بعض التغيير الجذري نحو اتجاه أكثر حباً وتقبلاً .
.................

الشفاء غير المنتظَر يحدث كثيراً ، بحيث يجب أن يتعلم الأطباء توقع الأمل في كل حين ، حتى فيما يبدو أنه الساعات الأخيرة .
.................
فيما يتعلق بإخبار المريض بطبيعة مرضه :
لا ينبغي إخفاء أي جانب من التشخيص قط على الرغم من الحاجة إلى التفاؤل . وفي الإمكان دائماً قول الصدق مصحبواً بالأمل ، لأنه لا يستطيع أحد التأكد من المستقبل ... كان " الخداع الرحيم " شائعاً منذ عشرين عاماً .. وكثير من الأطباء اليوم انتقلوا من " الخداع الرحيم " إلى الأمانة القاسية ، والتي تضر أكثر مما تنفع. وقد تلقيت خطاباً من زوجة مريض تفسر سبب عجز زوجها عن المجيء لموعده الثاني معي .. لأنه انتحر !!
تقول : " كان ذلك منذ يومين من إخباره بغاية القسوة ، دون أي اكتراث ، أنه لن يلعب التنس أو يقود زورقاً ، أو يذهب إلى العمل ثانيةً قط ، وكلها - خاصة الأولان - من الأشياء التي أحبها " .
.................
الأفضل كثيراً من الاعتراف بأن الموقف خطير أن نذكر المريض في صدق بأنه لي هناك مرض يستعصي على الشفاء ، حتى ولو كان الإنسان على عتبة الموت .
وحين يقدر الطبيب على غرس قدرٍ من الأمل فإن عملية الشفاء تبدأ أحياناً حتى قبل بدء العلاج . وأذكر إحدى مريضاتي التي أخبرها طبيب الأشعة بأن العقاقير تؤدي عملها ، لأن صور عظامها قد تحسنت بصورة مثيرة ، فأجابت : لو أنك اطلعت على جدول مواعيد علاجي لرأيت أنني لم أبدأ العلاج الكيماوي بعد . لابد أن السبب راجع إلى ذلك الطبيب الأصلع - تقصد بيرني سيجل- .

.................

يأتي الأمل نتيجة لثقة المريض واطمئنانه إلى طبيبه إلى حد كبير . وتتشكل هذه الرابطة بطرق كثيرة . وهناك أشياء أساسية واضحة كالعطف ، والتقبل، وتيسير اللقاء ، والاستعداد لإعطاء المعلومات . وذلك هو السبب في أن زيارات فريق الجراحة قبل إجراء العمليات ذات أهمية كبرى ، فهي لا تساعد المريض خلال الجراحة فقط ، ولكنها تعجل بالشفاء أيضاً . وقد أظهرت دراسة أشرف عليها الدكتور لورنس إيجبرت في جامعة هارفارد أن المرضى الذين زارهم طبيب التخدير ليلة الجراحة وطمأنهم وفسر لهم ما يحتاجون ، احتاجوا إلى نصف القدر من مسكنات الألم مقارنةً بمجموعة أخرى لم تتلق ما تلقوه ، كما أنهم خرجوا من المستشفى مبكرين بيومين ونصف في المتوسط قبل الآخرين .
.......................
روح المرح تعتبر رصيداً ضخماً أيضاً ، وكثيراً ما أشترك في الضحك مع مريض يحتضر .
.......................
من الأمور الأساسية أن يعرف المرضى أن في مقدورهم التعبير عن الغضب لأطبائهم دون إفساد العلاقة معهم .
.........................
أوضح ميلتون إريكسون أن الأصوات المعروفة ذات المعنى بالنسبة للمريض كان يسمعها ويفهمها وهو تحت التخدير.
إن لدينا أساليب لا تصدق نستطيع بها توجيه العلاج الكيماوي نحن السرطان أو تحويل الدم وحرمان الورم منه حتى يتم القضاء عليه.
وقد لبثت سنين أستخدم قدرة المرضى على السمع وهم في حالة اللاوعي . فأتحدث مع مرضى في حالة الغيبوبة حتى أعرِّفهم بحالتهم الطبية . وفي إحدى الحالات أخبرت سيدة ظلت في غيبوبة ثلاث سنوات دون أية إمارات على الإفاقة ، أن عائلتها تسمح لها بالذهاب . وأنها بالموت لن تكون أماً فاشلة ، وذكرت أنهم سيفتقدونها ، ولكن ، لا بأس من رحيلها إذا أرادت ذلك . فماتت في غضون خمس عشرة دقيقة .
.................
بدأ كثير من الجراحين الآن في استخدام قوى العقل تحت التخدير للمساعدة في منع المضاعفات . كثير من الناس بعد الجراحة التي تجرى أسفل الظهر يجدون صعوبة في التبول ، ويحتاجون إلى القساطر نتيجة التقلصات في عضلات الحوض . وقد أوحى فريق من الباحثين إلى المرضى وهم على طاولة العمليات بأنهم سوف يقدرون على إرخاء العضلات الهامة فيما بعد . ولم يحتج أحد من هؤلاء المرضى إلى القساطر.


تابعوا المقتطفات في مقالات تالية .

المقالة السابقة :

كيف يعالج الحب السرطان (1)