أنشئ حسابا جديدا
اطلب كلمة مرور جديدة

حفلات العرس بين الفراغ الإنسانى والاستعراضية

حفلات العرس

بين الفراغ الإنسانى والتعويض الاستعراضى

د.صلاح الدين السرسى

تشهد حفلات العرس فى بلادنا مظاهر من الإسراف ، والتمادى فى الغرائب ، والمبالغة فى التظاهر سواء فى الزى أو فى الزينة أو فى البدع التى تظهر بين بعض الشرائح الاجتماعية مايثير انتباه الباحث ويوقظ فضوله. ولكى نستطيع أن نتفهم هذه السلوكيات ، وأن نضعها فى سياقها الصحيح علينا أولا أن نعرف ماهية الزواج ووظيفته . ثم نتعرض لما يحدث من أمور ونحكم عليها فى ضوء الوظيفة التى نسعى اليها وما اذا كانت جزء من هذه الوظائف أم جسم غريب لا علاقة له بالهدف من الزواج أصلا .
الزواج يهدف الى تكوين خلية اجتماعية جديدة ، تكون وظيفتها منسجمة مع بنائها . هذه الخلية الاجتماعية الجديدة تتمثل فى الأسرة ، وكما هو الحال فى التخصيب الإنجابى الذى يتم من خلال التقاء خلية الزوج المتمثلة فى الحيوان المنوى بخلية الزوجة المتمثلة فى البويضة ليحدث التخصيب وتنقسم الخلايا ، وتتضاعف ليتكون فى النهاية الجنين ثم الوليد الى آخر مرحلة النمو الارتقائى الإنسانى المعروفة ، يحدث نفس الأمر شاب ينتمى الى أسرة ، يقترن بفتاة تنتمى الى أسرة أخرى ، كل منهما نشأ وترعرع ، واستقى قيمه ، وعاداته وسماته من مجال اجتماعى قد يختلف عن مجال الطرف الآخر فى بعض الجوانب وقد يتفق فى بعضها لكن فى النهاية كل منهما له خصائصه المتميزة عن الآخر . ولكى يتم تهيأة الظروف البيئية لنمو هذه الخلية نموا سليما فلابد من توافر بعض العناصر الأساسية ليتحقق فى النهاية التوافق الزواجى ، والتوافق الزواجى هو توافق فى الاختيار المناسب للزوج والاستعداد للحياة الزواجية والدخول فيها والحب المتبادل بين الزوجين والإشباع الجنسى وتحمل مسئوليات الحياة الزواجية والقدرة على حل مشكلاتها والاستقرار الزيجى والرضا والسعادة الزواجية . ويعتمد التوافق الزواجى على تصميم كل من الزوجين على مواجهة المشكلات المادية والاجتماعية والصحية ، والعمل على تحقيق الانسجام والمحبة المتبادلة .
ولا يحصل السكون والاطمئنان في الحياة الزوجية، إلا إذا كانت العلاقة بين الزوجين في إطار المودة والرحمة، والمودة تعني الحب والانشداد العاطفي، والرحمة تعني رفق كل منهما بالآخر، وشفقته عليه. وذلك هو أرضية التوافق الزواجي، والذي لا تحقق الحياة الزوجية أغراضها إلا بوجوده والتوافق الزواجي يعنى : قدرة كل من الزوجين على التواؤم مع الآخر، ومع مطالب الزواج.
ونقيض التوافق حالة التنافر، والتي تبدأ بحصول انطباعات سلبية من أحد الزوجين تجاه الآخر، أو من كليهما، وبصدور ممارسات وتصرفات من أحدهما مخالفة لرغبة الآخر، أو من كليهما، مما يلبّد سماء الحياة الزوجية بغيوم الخلاف والنزاع، ويكدّر صفوها بشوائب الأذى والانزعاج.
وللتوافق الزواجى خمسة عناصر رئيسية هى :
1- الاختيار الزواجى .
2- التوافق الأسرى.
3-النضج الانفعالى ، والاجتماعى .
4- العلاقات الشخصية.
وقبل أن نبحث فى تحقيق السعادة الأسرية ، علينا أن ننظر فى الاختيار وشروطه ، ورغم أن الشرع الحنيف حسم هذه القضية فى حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قَالَ : ( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا،وَلِحَسَبِهَا ، وَلِجَمَالِهَا ، وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ) .
والحديث لا يتضمن أمر أو ترغيب في نكاح المرأة لأجل جمالها أو حسبها أو مالها. ولكنه يوصف مادرج عليه البشر عند التفكير فى الزواج ، فمنهم من يبحث عن ذات الجمال ، ومنهم من يطلب الحسب ، ومنهم من يرغب في المال ، ومنهم من يتزوج المرأة لدينها ، وهو ما رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( فاظفر بذات الدين تربت يداك ) .
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم : " الصحيح في معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بما يفعله الناس في العادة فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع ، وآخرها عندهم ذات الدين ، فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين ، لا أنه أمر بذلك ... وفي هذا الحديث الحث على مصاحبة أهل الدين في كل شيء لأن صاحبهم يستفيد من أخلاقهم وحسن طرائقهم ويأمن المفسدة من جهتهم " .
و" قال القاضي رحمه الله : من عادة الناس أن يرغبوا في النساء ويختاروها لإحدى الخصال واللائق بذوي المروءات وأرباب الديانات أن يكون الدين مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون ، لا سيما فيما يدوم أمره ، ويعظم خطره ".
لمــاذا ذات الدّين بالذات ؟؟؟
1- لأنها خير متاع الدنيا ." الدنيا متاع ، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة " رواه مسلم .
2- لأنها تُعين على الطاعة .
" ليتخذ أحدكم : قلبا شاكرا ، ولسانا ذاكرا ، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة "
قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سُئل : أي المال نتخذ ؟ رواه الإمام أحمد وغيره ، وصححه الألباني .
3- لأنها من خصال السعادة ؛ فمن السعادة : المرأة تراها تعجبك ، وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك .
ومن الشقاوة : المرأة تراها فتسوءك ، وتحمل لسانها عليك ، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك .
4- لأنها أمان نفسي .
" خير النساء من تسرّ إذا نظر ، وتطيع إذا أمر ، ولا تخالفه في نفسها ومالها " رواه الإمام أحمد وغيره ، وحسنه الألباني .
فأي فوز - بعد تقوى الله - أعظم من الفـوز بامرأة صالحـة ؟؟؟
وها هنا وقفة نفسية مع قوله صلى الله عليه وسلم عن المرأة الصالحة : وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك .فالرجل - أيّاً كان - بحاجة إلى المرأة المتدينة !والمرأة بحاجة إلى الرجل المتديّن ، لأن الدِّين الذي يحمي صاحبه ضرورة من ضرورات الأمن النفسي وذلك في حالة غياب أحدهما عن الآخر يبقى الـودّ محفوظـاً لا لأجل الطرف الآخر فحسب ، بل لأن المتديّن - حقيقة يُراقب الله ، ويعلم أن الله مُطّلع عليه .
والسؤال هنا هل يتم اختيار الأزواج والزوجات بناء على هذه المعايير ، أم أن هناك معايير أخرى يتم الاختيار وفقا لها ؟!!
بالطبع هناك امور أخرى هى الغالبة فى زماننا هذا ، ففى حالة تفريغ الدين من مضمونه وعدم الاسترشاد به ، كما أن قيمة العمل والانتاج الذهنى واليدوى غائبة عن الغالبية ووجود خلل فى التنشئة الدينية جعلت النفوس بعيدة نوعًا جوهر الدين ، وان كانت متمسكة بشكلياته فإن التمايز بين الأفراد وبين الشرائح الاجتماعية يكون من خلال المظاهر والمبالغة فيها ، بدلا من أن تكون التقوى هي ميزان الأفضلية بين الناس قال تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير). سورة الحجرات، الآية:13. وقال عليه الصلاة والسلام: " الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى". أخرجه الشيخان.
وقال جل شأنه ( أفمن أسس بنيانه على التقوى من الله و رضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين ). سورة التوبة، الآية:109.
والعشى الذى أصاب أعين الناس وجعلهم لا يستطيعون التمييز بين الجوهر وبين المخبر هو الذى دفعهم لاستبدال الذى هو سطحى بالذى هو خير ، شعور حاد بالفراغ الداخلى وبالنقص الإنسانى ، وبالعجز الانتاجى فضلا عن الإبداعى جعل التركيز كله على الشكليات فمن يكلف أكثر من عرس الآخرين هو المتميز ، من ينفق على احتفالية الزفاف الذهب والفضة والذبائح التى يلقى معظمها فى الأرض هو الأفضل ، الحمق هنا هو مقياس الأفضلية ، ومن قبيل الحمق تلك التقاليع ، التى تتمثل فى دخول العروس بجمل ، أو فى تابوت ، أو تقضى الليلة كلها وى ترقص كما هو الحال فى بعض الأقطار العربية ومنها مصر ، وتتنافس الأسر فى هذه الحماقات ، دون أن تقف لتسأل نفسها ولو للحظة ، مادور كل هذه الحماقات فى تكوين زيجة سعيدة متوافقة ، وهل هذا البذخ بسفه يعنى حياة انسانية أفضل ؟!! بالطبع الإجابة واضحة ، لكن تحت الضغط الاجتماعى والعدوى المستشرية فى بناء المجتمع تنتشر هذه المظاهر وتشكل قاعدة والاستثناء هم الذين يقدرون كل أمر بقدره ، غاب المضمون وفرغ العقل والوجدان وطفت المظاهر والشكليات ولا يهم بعد ذلك أن يكتب لهذه الزيجة الدوام والتوفيق والسعادة أم لا ، المهم أن الجميع تظاهر وفرح ، ومرح ولعب ولهى وشملته هستيريا التنافس البذخى والاختراعات المجنونة لأشكال ما أنزل الله بها من سلطان ، بعيدة عن الوظيفة الأساسية التى من أجلها تتكون الأسرة ، ويشكل الزواج ركنها الأساس .